عبد العزيز الدريني
60
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
سبحان اللّه ربنا تعظيما للّه تعالى ولكنه آت من بعد فيبقى الناس منتظرين ، فبينما هم كذلك إذ ظهر نور عظيم تشرق منه أرض المحشر وهو نور العرش فترعد فرائص الخلق ويتيقنون أن الجبار عز وجل قد تجلى لفصل القضاء فيظن كل واحد منهم أنه هو المأخوذ المطلوب ، ثم يأمر اللّه تعالى جبرائيل عليه الصلاة والسلام أن يأتي بجهنم فيأتيها فيجدها تلتهب غيظا على من عصى اللّه تعالى فيقول : يا جهنم أجيبى لخالقك ومليكك فتثور وتفور وتشهق فتسمع الخلائق لها صوتا عظيما تمتلئ القلوب منه فزعا ورعبا ، ثم تزفر ثانية فيزداد الرعب والخوف ثم تزفر ثالثة فتخر الخلائق على وجوههم وتبلغ القلوب الحناجر وينظر المجرمون من طرف خفىّ ، فأول من يدي للحساب إسرافيل عليه الصلاة والسلام فيسأل عن تبليغ الرسالة فيقول بلغتها لجبرائيل فيصدّفه جبرائيل ويقول بلغتها للرسل ، فيدعى أول المنذرين وهو نوح عليه الصلاة والسلام ، فيسأل فيقول بلّغتها قومي فيدعى قومه فيسئلون ، فمن صدق منهم فهو من المؤمنين ، ومن كذب وأنكر شهدت أمة محمد بما أخبرهم اللّه تعالى في القرآن ويصدقهم محمد صلى اللّه عليه وسلم فهو قوله تعالى : ( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ثم يسأل جميع الرسل عن البلاغ وهو قوله تعالى : ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) . وقوله تعالى : ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ ؟ قالُوا لا عِلْمَ لَنا ) . قيل معناه لا علم لنا الآن ، ولا ندري ما ذا نقول ، وذلك لما استغرقهم من هيبة اللّه تعالى فإذا سكن روعهم قالوا بلّغنا قومنا ، فمنهم مصدّق ومنهم مكذّب ، وقيل معناه لا علم لنا بمن صدّقنا ولا بمن كذّبنا فإنا لا نطلع على السرائر ، يدل عليه قوله تعالى : ( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) * وسؤال الملائكة والرسل إظهارا للعدل ، وإقامة للحجة على من كذب ، وزيادة تخويف للجاحدين ، فكيف تكون عقول الخلائق إذا عاينوا الملائكة والرسل قد دعاهم اللّه تعالى للحساب والسؤال ، ثم تقبل الملائكة على الخلائق فينادى كل إنسان باسمه من